عن الفاسين والخاضعين.. وأحكام الدولة والدين
"ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها"سامان نوح
انطلقت قبل ايام، في رحلة عمل سريعة الى السليمانية، السائق على طول
الطريق كان قلقا من أزمة البنزين، جميع المحطات على الطريق الممتد لاربع
ساعات كانت مقفلة، باستثناء محطة واحدة بمنطقة "سكتان" تطلب الحصول على
البنزين منها "وساطات" عشائرية.
حين وصلنا الى المدينة كانت السيارات تصطف على مسافة مئات الامتار من
محطة تعبئة رئيسية، في انتظار فرج يتطلب احيانا ساعات للحصول على بنزين
رديء في الغالب.
بعد ساعات في طريق العودة الى دهوك، تعطلت سيارتنا في "دوكان" بسبب
البنزين المغشوش، وتكرر الامر قرب عقرة. بالنتيجة غيرنا "الفيت بمب"
مرتين، وأقسم السائق انه غير "الفيت بمب" في الصباح أيضا مرة واحدة.. هو
دفع نحو 90 الف دينار في يومه ذاك لكي تستمر سيارته بالعمل لتأمين قوت
عائلته.
كانت على طول الطريق توجد سيارات متعطلة، وكانت هنالك دائما سيارات جوالة
تبيع "الفيت بمب" بأسعار مرتفعة مع اجور التصليح.. انها مهنة جديدة يعرض
اصحابها بضائعهم بأنواعها المختلفة والتي تترواح بين 15 الف دينار الى 50
الف دينار.
وصلت في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل الى دهوك، بعد رحلة عودة امتدت
نحو سبع ساعات.
لا اعرف ان كان السائق وصل الى بيته في ذلك الصباح، فقد كانت بوادر عطل
جديد ظاهرة على سيارته، وكان يفكر بالمبيت في سيارته في شارع عام بدهوك
بدل التورط بالعودة الى منزله الذي يبعد 50 كلم من المدينة.. أنا على
يقين انه لن يستطيع رؤية اطفاله فكان لديه موعد سفر جديد في الصباح.
رغم كل تلك المعاناة، كان ذلك السائق الكادح يحاول طوال الطريق ايجاد
مبررات للحكومة الفاشلة العاجزة عن تأمين بنزين جيد او خدمات بلدية
وتعليمية وصحية او رواتب واعانات تناسب ما تستحصله من ثروات.. الحكومة
العاجزة عن خلق انتاج زراعي او صناعي او معرفي.
كما كان يدافع عن أحد الأحزاب الحاكمة بتأييد أعمى دون منطق ولا حجج،
مبني على جملة واحدة ظل يرددها: لا يوجد بديل.. اي حزب آخر سيحكم سيكون
أسوأ من هذا الحزب.
نجحت احزاب السلطة الكردستانية، طوال عقدين، في نشر جوهر الجهل
والاستسلام للسلبيات والأخطاء .. نجحت في نشر فكرة ان كل العالم فاسدون
وسيئون وانهم اقل الناس فسادا واقل الاحزاب سوءا... نجحت في اكذوبة ان لا
بديل لهم غيرهم.
حزنت على وضع ذلك السائق لكني حزنت اكثر على عقليته، انه واحد من ضحايا
الجهل المتفشي في مجتمعاتنا الغارقة في الأمية الثقافية والمعرفية
والحقوقية والانسانية.. حيث يحصل فاسدون على رواتب خيالية من وظائف وهمية
وعلى امتيازات من أعمال لا يؤدونها ويجهلون حتى طبيعتها، وينعمون بأوقات
ساحرة في القصور التي اشتروها في ثنايا العالم المتقدم، فيما يكدح هذا
الكردي المسكين 18 ساعة في العمل ويدافع عن فسادهم وخطاياهم ليظل ضحية
مزدوجة.
اذكر هؤلاء الفاسدين وبينهم (آلاف يُظهرون التَديُن ويتحدثون باسم الدين
وعن الدين) كما الخاضعين القانتين بجهلهم (الذين يدافعون عنهم) بالآية
القرآنية "ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا
أحصاها".
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire